( فطام الحنان )
فجأةً سمعتُ صوت امرأةٍ تصرخ بأعلى صوتها ، هلعتُ مسرعاً كما فعلَ الناس من حولي كي ندركَ صراخها فإذا بها تتربع على التراب بجانب البئر وتصرخ :
- يا وَيلي .. يا ويلي .. لقد سقط طفلي في البئر .
أسرع المختار وسألها :
- كيف وقع ..؟ ألم يكن بقربك ؟!
- نعم كان تحت نظري ولا أعرف كيف شردتُ قليلاً عنه حتى سمعت صوته يصرخ "أمي" وسقط في البئر.
أخذتْ تبكي بصوتٍ عالٍ تنوح وتضرب نفسها ، وقفت وتوجهت نحو البئر وصارت تنادي :
- ابني حبيبي .. هل تسمعني ؟؟ .
فجأةً سمعنا صوتهُ البعيد يصرخُ ينادي أمه ، جميعنا فرحنا حين سمعنا صوته وانتعشنا حين عرفنا أنه على قيد الحياة ، واختلطت دموع الفرح بالحزن في عينيّ أمه وصارت تصيح له بأن ينتظر حتى تأتي المساعدة ، كان منظراً مفعماً بالحنان والأمومة ، ناداه أحدهم طالباً منهُ ألاّ يخاف فصار الطفل ينادي بصوت فرحٍ وهادئ :
- هل أمي بجانبك ؟؟ .. هل تستطيع أن تلمسها ؟؟ .. هل هي على قيد الحياة ؟؟ هل أنا في الجنة ؟؟ .
لم نفهم عليه أبداً بل كنّا منشغلين بانتظار رجال الإطفاء حتّى يأتوا ليُخرجوه ، فجأة وبينما كانت الأم تصرخ داخل البئر جاء إليها طفلٌ يبكي وحضنها ، نظرت الأم إلى الطفل فحضنتهُ قائلةً :
- أين كنت أيها المشاغب ؟؟ .. قد ظننتُ أنك وقعت في البئر .
- لقد كنت ألعب وفجأةً ضعتُ عنكِ .
الاندهاش صعقنا جميعاً والصمت عمَّ أرجاء المكان ، فالبعض خشيّ أن يكون طفله من في البئر ، جاء رجال الإطفاء في الوقت المناسب كي يُخرجوا الطفل ويضعوا حداً للتساؤلات في دماغنا ، خرج الطفل ، لقد كان وائل ذاك الطفل الصغير اليتيم ، خرج ينظر حوله بلهفة ويصرخ :
- أين أمّي ؟؟ .. لقد سمعتُ صوتها .. أقسم لكم أني سمعتُ صوتها .. وشعرت بحنانها .. أين هي ؟؟ .
بعد وقت من الهيجان والصراخ صار يبكي بهدوء وسكتَ قليلاً ثم قال :
- أريد العودة إلى البئر .
الجميع هنا أخرسهُ الحزن صامتاً لا إجابات ولا كلماتٌ تواسي ، حتى خرج صوت من رحم الصمت داخل البئر :
- هل أمي بجانبك ؟؟ .. هل تستطيع أن تلمسها ؟؟ .. هل هي على قيد الحياة ؟؟ هل أنا في الجنة ؟؟ .
علاء مصطفى الخليلي
جسكالا
4/5/2009








17 مايو, 2009 04:34 م