كواليس الطفولة

ما يصرخ القلم وتنبض الدفاتر

بشاعةٌ وجمال

( بشاعةٌ وجمال )

اليوم جنازتهُ ، كان عجوزاً لا يرحم أبداً فكلُّ يومٍ عليهِ أن يصرخ في وجهنا وأن يُسمعنا الشتائم والكلام البذيء ، الجميع في حارتي من الشباب والأطفال كانوا يكرهونه بسبب تصرفاته البغيضة ، كان لا يبتسم أبداً حركتهُ بطيئة وصحته دائماً نحو التدهور ، كنتُ أراه كل يوم أبشع من الذي قبله ، مهمته الوحيدة في حياته أن يجلس على عتبتِ داره وأن يمنع الأطفال من اللعب ، الكل أعلن اليوم حداده وأضربوا عن العمل والمدرسة وكان من الصعب أن تجد أحدهم لا يبكي أو ليس حزين فقد فقدنا عجوزاً رائعاً مفعم بالأحاسيس الجميلة ، طبعاً اكتشفنا ذلك في وقت متأخر أي قبل أيام عديدة وتحديداً في يوم العيد ، كلّ زملائي كانوا فرحين يستقبلون التهاني و"العيديات"  من أهلهم إلاّ غسان فأباه وأمه تطلقا وهو يسكن مع أمه حالياً أما أباه فقد هجرهما ، كان يجلس وحده على رصيف الحارة يحملُ في يده وردةً لا يعلم لمن سيعطيها فأمهُ حينها كانت تنظف بيوت الناس تاركةً إياه وحده ، وبينما كان ذاك العجوز جالساً على عتبةِ بيتهِ ويسعلُ بشدة ذهبَ إليه غسان وأعطاه تلك الوردة قائلاً :

-       كل عام وأنت بخير .  

الصمتُ حينها استوطن الحارة كلها الكل كان مندهشاً والكثير لم يصدق فقد ابتسم ذاك العجوز ، كان بشعاً وصار رائع الجمال ، كان مصدوماً ينظر إلى غسان مبتسماً وكأنها المرة الأولى التي يعايده أحد ، نزفت دمعة طفولية من عينيه وطلب من غسان أن ينتظره قليلاً فدخل بيته وخرج معه قطعة حلوى وأعطاها لغسان ثم عاد ودخل خارجاً معه كيساً مليءً بالحلوى وصار يوزعها علينا جميعاً ابتسامته خالية من الأنياب صار رقيقاً وديعاً حتى أن سعلته اختفت ، كنّا سعداء جداً بمخلوق جديد رائع في حارتنا وقررنا جميعاً يومها ألا نلعب بالكرة أو أن نصرخ قرب بيته خوفاً أن نزعجه لكن في صباح اليوم التالي هو من فاجأنا ، حينما خرج من بيته يحمل كرةً ويقول صارخاً :

-       ما بكم أيها الأولاد لماذا لا تلعبون اليوم ؟! .. هيا لنلعب .

لقد صار رشيقاً يلعب معنا كأي طفل صغير يتحرك مثل الغزال معظم وقته يقضيه بالضحك وكل يوم قبل الغروب نجلسُ حوله ليُسمعنا قصصاً جميلة ، لم نكن ندرك أن داخل ذاك الوحش هناك إنسان رائع ولم نكن ندرك أيضاً أن الوحدة لها كل ذاك الوجع وأنها الخيط الفاصل بين البشاعة والجمال .

علاء مصطفى الخليلي

جسكالا

1/5/2009

 



أضف تعليقا

الصباح العربي من مصر
17 مايو, 2009 04:35 م
يفتح باب بيت المدونين ذراعيه لكل الموهبين في :
1/ القصة القصيرة
2/ الشعر بشتى أنواعه
3/ الرواية "رواية سنوية سنقوم بنشرها في الجريدة"
4/ المقال الصحفي
إذا وجدت في نفسك القدرة على المشاركة أرجوا التواصل معي على الميل التالي
arabicsabah@yahoo.com
شروط المسابقة
1/ ..............................
2/ .............................
3/ ..............................
لا يوجد شروط الشرط الوحيد هو العمل الجيد , والعمل المحترم البعيد عن الإسفاف
المقالات أرجوا أن تكون تخص الانسان العربي , تاريخه , عاداته وتقاليده , مقالات إجتماعية وثقافية ....
أرجوا التفاعل معنا في الجروب على العنوان التالي
http://www.facebook.com/group.php?gid=45202724108#/group.php?gid=78080770039
علاء صبحية من سوريا
18 يوليو, 2009 03:29 ص
اخي جيسكالا
او علاء فعلا مكتوبته رائع وكل ماتكتبه رائع
كل كلمة مما قرأته لها معنى
فعلا ابكيتني من قلبي على هذا الرجل العجوز
اتمنى لك الحياة السعيدة