كواليس الطفولة

ما يصرخ القلم وتنبض الدفاتر

تشابه

(تشابه)

الناس تتجمعُ حول عِراكٍ بالأيدي بين شابين يبيعان الأكياس في السوق ، لم أكترث لهما كثيراً إلاّ أنه حينما طعن أحدهم الأخر في خصره بالسكين اقشعرَّ بدني وأصابتني الدهشة ، الدمُ ينزفُ من جسده بكثافة ، وقعت الأكياس من يدهِ فنزلَ على ركبتيه وتأبطها بملامحهاً في وجههِ توحي بشدةِ الألم ، اقتربتُ منه محاولاً مساعدته بالوقوف ونقلهِ إلى المستشفى ، لكنه أرعبني حين نظر إليّ مندهشاً مبتسماً ، وأرعبني أكثر حين ناداني باسمي وسقط فاقداً وعيه ، حملتهُ أنا وبعضاً من الشباب وصعدتُ معه في السيارة إلى المستشفى ، كنت أتأملهُ جيداً ومع ذلك لم أعرفهُ أبداً فلا شيء في وجهه يذكرني به ، لكن فضولي صار يغلي في داخلي ، أريدُ أن أعْـلَمَ كيف عرف أسمي وكيف يعرفني فنظراته تلك نحوي قبل أن يفقد وعيه توحي بأنه أخاً أو صديقاً لي ، دخلنا به أنا والسائق إلى غرفة الإسعاف ، فإذ برجال الشرطة يستجوبونني بشان الحادث وظلّ التحقيق جاري حوالي الساعتين وما أن انتهيت ذهبتُ إلى البيت والتساؤلات تتعارك في دماغي محاولاً أن أسترجع شريطَ ذكرياتي عسى أن أجده في أي بقعة من الماضي لكن دون فائدة فأنا لا أعرفه أبداً ، لا أعرف كيفَ نمتُ وجاء الصباح حتى حملتُ نفسي مسرعاً إلى المستشفى كي أطمئن عليه وأضع حداً للتساؤلات في داخلي ، دخلتُ المشفى وأوقفت إحدى الممرضات سائلاً إياها عنه فقالت بلهفة :

-       هل أنت علاء .. ؟؟!!!!.

أجبتها بنعم ، فأخبرتني أنه منذ أن استفاق وهو يسألُ عني وينادي باسمي ، وأخذتني إلى غرفتهِ فما أن دخلتُ إليه وشاهدني عاد وكرر تلك الابتسامة قائلاً لي :

-       أين أنت يا رجل ؟؟ .. إلى أين ذهبت .!! .. ألم تعرفني أنا مناف كنتُ في صفك في الصف السابع .

الاحمرارُ سكنَ خداي فأنا لم أتذكره أبداً ، فبدا عليه أنه لاحظ ذلك وتابع :

-       لقد اشتريت لي مرةً "ساندويشة فلافل ".. ألم تذكر ؟!.. حينها طلبتُ منك أن تشتري لي عصيراً فرفضت .

زاد خجلي لكني قلت له أنني أعتذر لأنني لم أتذكره ، سألني عن حالتي وآخر أخباري فلم أجبهُ بل أعدتُ ذاك السؤال له فضحك :

-       حالتي ؟!! .. كما رأيت أبيع الأكياس في السوق للمارَّة حتى أجمع مبلغاً جيداً فأعطي أهلي المال آخذاً منه مصروفي كي أشتري الدخان .. وأبي يعملُ في وظيفته ليعطي الراتب إلى صاحب الشقة التي نقطنها .. لم تقل لي كيف حالك أنت ؟ ..

-       أنا بخير .. الحمد لله .. كيف حالُ جرحك الآن .

-       أشعر ببعض الألم .. يا رجل الحياة مملة انتظر عشر سنوات قادمة ستجد معظم العائلات تعيش بالأجرة ومع غلاء الأسعار ستعيشُ الناس جهنم في الدنيا قبل أن تعيشها في الآخرة ... لم يأتي أحد من أهلي حتى الآن لكني سأكون مع أبي صريحاً سأرفع دعوى على ذاك الشاب الحقير الذي طعنني ولن أسفتَ حقّي حتى يعطونني أهله مبلغاً كبيراً .. حينها سأشتري تلك الميدالية التي فيها ضوء الليزر ذاك الضوء الأحمر الجميل .. تستطيع حينها أن تجعل الضوء يسقط على أي شيء تريده .. أن تدخله المطاعم والأبنية الفخمة والعالية وأن تجعله يداعبُ الصبايا في الشارع .. وأن يسـ .

فجأةً وهو يتكلم فقد وعيه وصار يشدُّ على نفسهِ والدمُ يتدحرج من فمه ، صحتُ بالأطباء فأسرعوا إليه وأخرجوني من الغرفة ، جلستُ في غرفة الاستراحة مرتبكاً لكن ذاكرتي قطعت ارتباكي ، فقد تذكرتُ أنيَ درستُ الصف السابع خارج القطر .. وأدركت حينها أنه تشابهٌ بالأسماء وقليلاً من الملامح .

والآن وها هو قد طُمرَ هنا أمامي تحت التراب مودعاً صديقاً قديماً ليسَ صديقه ، اقتربتُ من القبر هامساً :

-       أنا آسف .. لقد تذكرتك جيداً .. وتعبيراً عن اعتذاري خذ هذه الميدالية التي تحلم بها .. وهذا العصير لك أيضاً مع أنه جاء متأخراً .

علاء مصطفى الخليلي

جسكالا

18/4/2009

 



Add a Comment

syriangavroche من إسبانيا
19 ابريل, 2009 03:12 م
قصة جميلة... جداً


تحية