كواليس الطفولة

ما يصرخ القلم وتنبض الدفاتر

مخيمات

( مخيمات )
 

يأتي الصباحُ حينَ تـفتحُ بابَ دارها فتجلسُ تحت الشمسِ على العتبةِ تنبشُ بين حبّات البرغل تنظفها ، فاليوم ستطبخُ أكلةً تدعى "المفتول" ، والمفتول هو عبارة عن دجاجٍ مسلوق مع حبّات البرغل والطحين الأبيض كبياضِ بشرةِ ذاك الطفل الصغير العاري الذي يركض في الشارع دون أن يعلم عيبَ عورته فها هو يضحكُ وأسنانه نصفها مقلوع تبدوا كمفاتيح البيانو ، فتأتي أمه تضربه أنه خرج من بيته دون عِلمها وقد أخَّرها عن موعدِ اجتماعها فنساؤنا جميعهنَّ يجتمعن ويحاورن ويناقشن ولا تخفى عنهم خافية ، اجتماعاتهن في مقرٍ غير سرِّي أو رسمي يعرفه الجميع هو محل الخضرة ومن هناك تحديداً تفوح رائحة أسرار البيوت وبهادلها ومن هناك أيضاً تدرك مدى القُربة والمحبة وروح التواصل الاجتماعي فالجميعُ يعرفُ بعضهُ البعض لكني حيناً أراها نعمةً في زمنٍ تـقلّ فيه الروح الاجتماعية وحيناً آخر أراها نقمةً فالفضيحة عندنا لا بئرَ لها تنتشر بسرعةِ الضوء ، يأتي المساء خلسةً فلا تشعر به إلاّ وهو يغطيك فنخرج نتمشى في الشوارع نرمي سلامنا على الجميع ، ومنّا من يجلس أمام داره يشرب الشاي مع المكسرات و"الأركيلة" مثلما كان يفعل جده في الماضي حينما كان يجلس وعائلتهِ أمام بستانهِ يشعر بسعادةٍ وبنشوةِ الإنتاج يسارع إلى النوم مبكراً عساهُ يأتي الصباحُ بسرعةٍ ليعود فيغمس كفّيهِ في ذاك التراب الأحمر فيخرج من مسامِ بشرتهِ عرقٌ دافئٌ فينتشِ نخاع الأرض منتعشاً ، تلك الأرض التي هي الآن تفتقد لتجاعيد جسده ، لحضنه الغيور الرائع فقد هجَّرَهُ الصهاينة وأبعدوه ، قطّعوا الأفرع الخضراء فيه لكنهم أبداً لم يقووا على الجذور ، حمَـل همّه باكياً مشرداً يبحثُ عن مكانٍ يحفظهُ وأسرته ، عملَ في أبشع الأعمال قسوةً داهساً على كبريائه يكفرُ الحقد ويكفر الكرهَ ويكفرُ دين الحروب ، لتضحك دمعةً في عينه باكيةً هي نفسها تزورهُ كل يوم تخبرهُ مع أنها تدرك الواقع الأليم تخبره أن لحظة العودة لأشجاره ووطنه قريبة وما هي إلا بأيام قليلة ، وحتى في اللحظات الأخيرة وهو ينطق بأنفاسهِ المتبقية انهمرت دموع تقول له تصرخ تتوسلُ إليه :

-       أرجوك انتظر .. فلحظة العودةِ اقتربت ... انتظر قليلاً  .

ما أن يتحول حلمهُ إلى وصيةٍ وأمانةٍ صعبة الحِمل إلى أننا وقد ورثنا عشق الأرض منه بل عِشقَنَا أكبر نشعرُ بالفخر أننا نحمل المسؤولية منذ الصرخة الأولى ، نشعر بالفخر رغم تلك الغصّة في انحناءات كلمة "لاجئ" ، ومثل السلاحف حينما تخرج من بيضها إلى البحر بالفطرة نحن نختار لوننا ومسارنا وفصيلنا لنلتحق فيه ونباشر مسير التوعية وتوعية الأجيال بحقهم بالعودة وحبهم للوطن وتمسكهم بالمبادئ وهنا أيضاً أجد خيراً بذلك وأجد الشّر فيه فما أن تنظر إلى الجدران في شوارعنا لتدرك من خلال الكتابات العشوائية كيف أنّ الألوان الجميلة تتقاتل وتتحارب كي تفرض إحدى الألوان نفسها على الأخرى عنوةً ، ولو عدتَ بذاكرتي إلى الخلف وخصوصاً في لحظة الطفولة أي قبل أن أفهم وأزداد ثقافة .. كيفَ كنّا أصدقاء .. كيف كنّا نحلمُ سوياً .. ونلعبُ سوياً .. كيف أن بشاعةَ التهجير والنكبة أنبتت جمال التلاحم الاجتماعي المتنوع وكيف أنّ القضية تُثير فينا روح الثورة والمقاومة .. وكيف أنها تصنعُ الحواجز والشوك المؤلم بيننا ..

علاء مصطفى الخليلي

جسكالا

11/4/2009

 



أضف تعليقا