كواليس الطفولة

ما يصرخ القلم وتنبض الدفاتر

مفارقة

مفارقة

بينما كنتُ أرسم في مدرستي القديمة وأصوات ضجيج الطلاّب يمرحون في الباحة ، أصابني شعورٌ غريب بالاكتئاب ولم أدرك في بادئ الأمر سبب ذاك الشعور إلى أن دخلت تلك الأصوات وتسللت إلى بقعةٍ صغيرة في ذاكرتي ، المكان نفسه والأصوات نفسها ، كنتُ دائماً أجلسُ هناك في تلك الزاوية ، أبحثُ عن أصدقاء لكن دون جدوى ، كنتُ أشعرُ دائماً بالوحدة والألم ، الجميع يلعب والجميع يضحك ويتشاجرون ويتصالحون إلاّ أنا لا أحاكي سوى نفسي ، ها أنا أراهُ هناك يجلس وحده متأملاً الطلاب فحينما يرى مجموعةً تضحك تضحك ملامحهُ معهم وحينما يرى مجموعةً تلعب تلعبُ ملامحهُ معهم منتظراً إلى أن يرن جرس انتهاء الاستراحة كي يعود إلى صفهِ ويجالسَ أحدهم ، لم أعد أستطع أن أرسم ، شعرتُ باختناق غريب ، تركتُ كل شيء من حولي وركضتُ خارج المدرسة ذاهباً إلى البيت ألعنُ الذاكرة كارهاً نفسي وصفاتي في الماضي ، إلا أني عدتُ ورأيته مرةً أخرى يقف أمام محلٍّ للدمى يشير بإصبعه إلى الألعاب ويحاكي نفسه بصوتٍ منخفض ، وقفتُ بجانبه ، فنظر إلي وقال وكأنه يقسم :

-       عندما أكبر سأشتري هذه اللعبة .

هي نفسها اللعبة هي نفسها حلمي ذو الأنامل الطفولية ، بيني وبينها لوحٌ من الزجاج الشفاف فقد دون حواجز وعقد ليست كأحلاميَ الآن المليئة بالجدران والأبواب المغلقة ، قد كنتُ انطوائياً في الماضي ولا أعرف شيئاً عن لغة التواصل والمشاركة ، كنت دائم الشعور بالوحدة وصاحب الدموع التي تتسول الصداقة ، لكني عندما كنتُ أقف أمام واجهة محل الألعاب كنتُ أشعر بسعادةٍ كبيرةٍ أفتقدها الآن فالآن قد زادت ثقافتي وكبُرت أحلامي واكتسبتُ أشياءً من خليط العادات والتقاليد وبعضاً من عدوانية التفكير والعقيدة ، لم أعد كالسابق أبداً ، فالآن أصبحتُ نوعاً من الأنواع عليّ أن أحافظ على بقاء نوعي ، والآن أصبحت ذات لونٍ معينٍ أحارب كي أفرض لوني ، الآن أصبح لي جهةً ومساراً معيناً يستوجب على إن شئت أن أمضي في ذاك المسار أن أدوس على غيري كي أرتاح في المشي وعليّ أن أسدَّ طريق غيري كي أبدو مميزاً أنيَ أول من حقق السبيل ..

تلك الدمية التي أمام عيني دهنت داخلي بالبياض ، عدتُ وأحببتها ، وشيئاً من طفولتي صار يدغدغ عقلي ، وشممتُ حينها رائحة الإنسان الطازج ، فإذ بأحد أصدقائي يقف جانبي قائلاً لي بصوت ساخر :

-       ماذا تفعل هنا ؟!!! .

-       عندما أكبر سأشتري هذه اللعبة .

علاء مصطفى الخليلي

جسكالا

6/4/2009

 



أضف تعليقا

mohammadeto من لإمارات العربية المتحدة
17 اغسطس, 2009 09:21 م
اذكر اني كنت اجلس معك في تلك المدرسة.......
ربما تكون اليوم اختلفت واكتسبت شيئا من عدوتنية امجتمع...وربما اكون انا اختلفت واكتسبت عدوانية المجتمع .....ولكن احلامنا واحدة.......كانت...وما زالت......
وعندما نكبر......سنشتري اللعبة...بل سنصعها ان شاء الله