كواليس الطفولة

ما يصرخ القلم وتنبض الدفاتر

انتظارات

( انتظارات )

ساعة ونصف وأنا أنتظر أن يأتي دوري وكلما سألت الممرضة تطلب مني أن أنتظر قليلاً فالطبيب عنده مريض ،  وهناك صوتٌ يخرج من مكبرات الصوت البعيدة غير واضح تماماً ، مقابلي تجلس امرأةً تلبس عباءةً سوداء تنظر إلى الأرض باستمرار دون أن ترمش أو تتحرك وتجلس بجانبها ابنتها الصغيرة تقلبُ في صفحاتِ مجلةٍ تبحثُ عن الصور فيها .. بجانب الصغيرة هناكَ رجلٌ عجوز يداعبُ مسبحتهُ يسبح الله ويتأملنا جميعاً .. أما بجانبي فكان يجلس رجلٌ رائحة عطره قوية جداً وجميلة ، فجأة وبينما كنت أنظر إلى الساعة بدأت الطفلة الصغيرة بالسعال وكان سعالها مخيف وكأنها تختنق والغريب أن أمها لم تهتم كثيراً للأمر بل تنهدت واكتفت بالنظر إليها أما عن العجوز فوضع مسبحته في جيبه وصار ينظر بصعوبة إلى ساعته دون اكتراث ، والفتاة الصغيرة ظلّتْ تسعلْ حتى بصقتْ دماء على الأرض ثم توقفت وذهبت إلى الممرضة وطلبت منها منديل فأعطتها وأخذته تمسح فمها ومن ثم عادت وأخذت المجلة التي كانت بيدها وتابعت التصفح .. استعجبتُ صمتَ أمّها وعدم الاكتراث لما حدث واستعجبتُ أكثر ردة فعلي اتجاه الأمر فأنا مثلهم لم أتحرك .. نظرتْ إليّ الفتاة وابتسمت فابتسمتُ لها .. فقاطعني صوت الرجل الذي بجانبي :

-       مرحباً .. إن شاء الله خير .. ما هو مرضك ؟؟

-       أهلا .. ليس هناك مشكلة كبيرة .. كل ما في الأمر أنني أعاني من مشاكل نفسية بسبب أحداث الحرب .

-       الحرب !!؟ .. هل كنتَ في غزة ؟؟

-       نعم .. لقد عانيت كثيراً حتى غادرتها فأنا سُجنت فيها ثلاث سنوات دون أن أستطيع السفر إلى بيتي في الأردن ..

-       وما الذي أخذك إلى هناك ؟

-       إنها أختي ... ذهبتُ لأزورها وأطمئن على حياتها مع زوجها هناك .. لقد استشهدت قبل أسبوعين هي وجارتها في نفس الوقت .... على كل حال الحمد لله أنني خرجت وعدت إلى أهلي ..

عدتُ ونظرتُ إلى تلك الفتاة .. فنظرتْ إليّ وكررت ابتسامتها .. فانتعش شيء ما في داخلي .. ابتسمتُ لها .. فمدّتْ لسنها لي وصارت تهز بحواجبها .. مددتُ لساني لها .. فضحكت ضحكةً قوية وبصوت عالٍ .. جاءت الممرضة إليّ وقالت :

-       أرجوك سيدي .. لن تستفيد شيء من الانتظار هنا .. المعابر مغلقة ولن تفتح اليوم أيضاً ..

-       ماذا !! .. أين أنا ؟؟

-       أنت في إدارة معبر رفح ..

-       أمازلت في غزة ؟!!!!! .. ومن هؤلاء الذين حولي أليسوا مرضى ؟؟ ..

-       لا يوجد أحد غيرك هنا ..

علاء مصطفى الخليلي

جسكالا

5/2/2009

 

 



أضف تعليقا

ayham jzzan من سوريا
07 فبراير, 2009 06:04 م
مميزة جدا تدويناتك تحية لك
سررت بالمرور على مدونتك وسأفعل ذلك دائما